عنابة: سعيود يقود زيارة ميدانية مُكثّفة تُنعش ديناميكية الإنجاز في مرافق النقل
عائشة نورالدين شنتوح
المرصاد برس : جسّد وزير النقل، السعيد سعيود، اليوم الإثنين، حضورًا ميدانيًا لافتًا بولاية عنابة، في زيارة عمل وتفقّد اتّسمت بكثافة النشاط وثراء المحطات، واضعة مشاريع القطاع تحت المجهر التنفيذي. مرفوقًا بوالي الولاية ، عبد القادر جلاوي ، ووفد رسمي من السلطات المحلية والبرلمانية والأمنية، تنقل الوزير عبر عدد من الهياكل الحيوية، مستعرضًا واقع النقل بمختلف أنماطه، ومطلقًا دفعة جديدة لمسار التحديث والرقمنة، وفق رؤية تنموية تستمد زخمها من التوجيهات العليا للدولة.
استُهلّت الزيارة بمعاينة مطار رابح بيطاط الدولي، حيث وقف الوزير على واقع ظروف العمل ومستوى الخدمات المقدمة للمسافرين، ووجّه تعليمات صارمة بضرورة تقليص توقيت إجراءات السفر من 45 دقيقة إلى 30 دقيقة، كإجراء عملي لتحسين تجربة الزبون وتخفيف الضغط. كما شدد على ضرورة التزام المستغلين التجاريين بفتح مرافقهم بصفة يومية، ما يعكس توجّهًا واضحًا نحو إعادة الانضباط إلى المرفق العام وتكريس الخدمة الدائمة في منشآت حساسة.
ودعا الوزير إلى إنشاء ممر خاص بالمسافرين من الدرجة الأولى وذوي الهمم العالية، يتضمن كافة أجهزة المراقبة، في خطوة تستجيب لمقاييس النقل الجوي الحديث وتُحسّن من مستوى التكفل بالفئات ذات الأولوية. كما وقف رفقة الوالي على الدخول الفعلي لمنحة السفر الجديدة عبر شباك البنك الوطني الجزائري، حيث تم تقديم شروحات دقيقة حول آلية صرف المنحة وتنظيمها، وهو إجراء يُترجم الإرادة في اعتماد سياسة دعم موجّه وشفاف للمسافرين.
وقد استمع الوزير إلى عرض من ممثلي شرطة الحدود، الجمارك، الخطوط الجوية الجزائرية وشركة تسيير المطارات، حول تنظيم الرحلات الجوية. بالمناسبة، ثمّن الوزير مجهودات المصالح الأمنية والرقابية، مشيرًا إلى دورها المزدوج في حماية الاقتصاد الوطني وضمان أريحية المسافرين، داعيًا إلى اعتماد الرقمنة كخيار استراتيجي لا رجعة فيه، وذلك انسجامًا مع توجيهات رئيس الجمهورية الداعية إلى رقمنة القطاعات الحيوية، ومنها قطاع النقل.
وفي خضم موسم الاصطياف، شدد الوزير على ضرورة توفير ظروف مثلى للجالية الوطنية العائدة، مؤكّدًا أن المطارات تمثّل الواجهة الأولى التي يستقبل من خلالها المواطن بلده، مما يتطلب تنظيمًا محكمًا واستقبالًا نوعيًا.
المحطة الثانية من الزيارة قادت الوفد الوزاري إلى مؤسسة ميناء عنابة، حيث قُدّم عرض شامل من قبل مدير النقل الولائي، تطرّق إلى وضعية النقل بمختلف أنماطه: البري، الجوي، البحري، ومخطط النقل المستحدث. كما تم التطرق إلى النشاط المينائي، وتحديدًا في مجال حركة الحاويات والمسافرين، وأثر اعتماد نظام العمل 24/24 ساعة و7/7 أيام، وهي نقطة مفصلية تندرج في سياق تحسين التنافسية اللوجيستية للموانئ الجزائرية، في ظل سباق إقليمي ودولي على الموانئ ذات الأداء العالي.
وقد شملت العروض أيضًا المشاريع ذات الصلة بالنقل، منها الميناء الفوسفاتي وخط السكة الحديدية بلاد الهدبة–عنابة، ومشروع الترامواي، ومواقف ذات طوابق، وتوسيع شبكة النقل الحضري وشبه الحضري، وكلها تدخل ضمن سياسة الرفع من مردودية النقل وتيسير الربط الحضري والجهوي.
في ذات السياق، قدّم المدير العام لمؤسسة ميناء عنابة عرضًا عن مدى تنفيذ تعليمات الوزير السابقة، والتي أسفرت عن نتائج ملموسة: رفع وتيرة معالجة السفن، رقمنة الخدمات، الدفع الإلكتروني، وتوسيع الأرصفة. وبهذا، يُلاحظ أن الوزارة تعتمد على نموذج تتبع وتقييم دائم للبرامج والمشاريع، وهو ما يعزز الشفافية والفعالية. وقد تم كذلك عرض فيلم ثلاثي الأبعاد يُجسّد الرؤية المستقبلية للميناء إلى غاية 2030، ما يُبرز البعد الاستشرافي لمخططات القطاع، القائمة على التخفيف من الضغط، وعصرنة المنشآت، وتحقيق ديناميكية اقتصادية.
وفي معرض تفقده للمحطة البحرية، ركّز الوزير على ظروف استقبال أفراد الجالية الوطنية، مشيرًا إلى ضرورة التكفل الجيد بهم، وتبسيط الإجراءات، وتسريع وتيرة الأشغال في الأرصفة رقم 3 و4، مما يعكس توجهًا نحو تحسين الخدمات البحرية وتعزيز بعدها السيادي والاقتصادي.
وبالانتقال إلى النقل الحضري، كشف الوزير عن اقتناء 24 حافلة جديدة، إضافة إلى 10 أخرى، لتدعيم الخطوط التي تربط المجمعات السكنية الجديدة. كما أعلن عن فتح خطوط ربط بين هذه الأحياء والسكة الحديدية، وتكليف إطارات من الوزارة بالتنسيق مع مديرية النقل المحلية، ما يشير إلى وجود تنسيق عمودي بين المركز والولايات لتفعيل الاستراتيجيات بسرعة وكفاءة.
في الشق المتعلق بالنقل الجوي، أعلن الوزير عن دمج شركة طاسيلي للطيران مع الخطوط الجوية الجزائرية تحت اسم "الجوية الجزائرية للنقل الداخلي"، في خطوة تهدف إلى تركيز الموارد وتعزيز النقل الجوي الداخلي، استجابة لحاجة ملحة تتعلق بعزل بعض المناطق عن الشبكة البرية. أما في النقل البحري، فقد تم فتح الرحلات البحرية من عنابة، مع الإشادة بجودة الاستقبال، كتجسيد لعودة تدريجية ودائمة لهذا النمط من النقل.
في المحطة الثالثة، زار الوفد الوزاري المحطة البرية "محمد منيب صنديد"، أين وقف على توسعة المحطة ورفع قدرتها الاستيعابية، خاصة في ما يخص سيارات الأجرة ما بين الولايات. وقد تم الإعلان عن تدعيمها بـ 6 حافلات جديدة لضمان الربط مع وسط المدينة على مدار الساعة. كما اطلع الوزير على التطبيقات الرقمية المستحدثة كـ"Wimpay" و"Saif Taxi"، مثمّنًا إدراج الدفع الإلكتروني وخدمات الحجز عبر الإنترنت، في إطار رقمنة الخدمات العمومية، وداعيًا إلى توسيع استخدام أجهزة الدفع الإلكتروني على مستوى المحطات.
ويُسجّل هنا تحول نوعي في فلسفة تسيير النقل، من منطق الاستهلاك إلى منطق الابتكار والخدمة، من خلال دمج التكنولوجيا كآلية لتحسين الأداء وجودة الخدمات. وقد أثنى الوزير على جهود مؤسسة "سوقرال" في هذا الاتجاه، مؤكدًا على دعم الرقمنة كخيار وطني استراتيجي.
واختتم الوزير زيارته إلى ولاية عنابة بالإشراف على إعادة تشغيل المصعد الهوائي "عنابة – سرايدي"، بعد توقف دام أكثر من ست سنوات. وتُعدّ هذه الخطوة رمزية ووظيفية في آنٍ واحد، إذ تعيد الحياة إلى منشأة عانت الإهمال لسنوات، وتوفر وسيلة نقل بديلة وسياحية بين المدينة والمناطق الجبلية. تم خلال هذه المحطة تقديم عرض تقني حول المشروع، تضمن مراحل التأهيل وأشغال الصيانة، وقد شدد الوزير على ضرورة اعتماد صيانة دورية وفق معايير السلامة والجودة، مع توفير الكفاءات البشرية والتقنية الكفيلة بالحفاظ على جاهزيته.
وأكد الوزير في كلمته أن إعادة تشغيل المصعد تمثل حلقة ضمن سلسلة من الإجراءات الرامية إلى بعث النقل الجبلي والسياحي، مشيرًا إلى أن هذا المرفق سيساهم في التخفيف من الضغط المروري، وتحسين تنقل سكان سرايدي، وخلق ديناميكية اقتصادية وسياحية مستدامة.
وهكذا، يُمكن القول إن زيارة وزير النقل إلى ولاية عنابة كانت بمثابة مراجعة شاملة لأداء القطاع محليًا، وتقديم دفعة جديدة للمشاريع المعطّلة، في سياق رؤية وطنية تقوم على التحديث، الرقمنة، وتكافؤ فرص التنمية بين مختلف الولايات. زيارة أظهرت أن النهوض بقطاع النقل لا يمر فقط عبر الآليات والبنى التحتية، بل أيضًا من خلال إعادة هيكلة الرؤية، وربط القرارات بالتقييم الميداني، والانتقال من مجرّد التسيير الإداري إلى الحوكمة الذكية التي تضع المواطن في صلب انشغالاتها.

