قطاع الثقافة والفنون بولاية البويرة
2025 .. سنة التحوّل الهادئ وإنجازات تُؤسّس لنهضة ثقافية مستدامة
منيب ولي الدين
لم تكن سنة 2025 سنة عابرة في مسار قطاع الثقافة والفنون بولاية البويرة، بل شكّلت محطة فارقة عرفت خلالها الولاية حركية ثقافية لافتة، تُوّجت بإنجازات ملموسة شملت صون التراث، دعم المقروئية، إعادة بعث الفضاءات الثقافية، وتوسيع الفعل الفني والسينمائي.
كما شهدت الولاية تنظيم فعاليات ثقافية وفنية مميّزة محليًا ووطنيًا، جاءت ثمرة تنسيق فعّال بين القطاع ومختلف الشركاء من جمعيات ثقافية وفواعل إبداعية، أسهمت في تنشيط المشهد الثقافي ومنح الثقافة بعدها التشاركي الحقيقي.
حصيلة وُصفت بالمتميزة، أعادت الاعتبار للثقافة كرافد أساسي للتنمية، ورسّخت قناعة مفادها أن الاستثمار في الذاكرة، الكتاب، والفن، هو استثمار مباشر في الإنسان والهوية والمستقبل.
التراث الديني والتاريخي… استعادة الذاكرة وبعث المعالم
شهد محور حماية وتثمين التراث الثقافي والديني خلال سنة 2025 خطوات نوعية عكست إرادة حقيقية في صون الذاكرة الجماعية للمنطقة.
فبعد استلام أشغال مسجد آث براهيم بمشدالة، انطلقت أشغال ترميم وإعادة تأهيل المسجد العتيق بسور الغزلان، حيث بلغت نسبة الإنجاز 55 بالمائة، إلى جانب الانطلاق في أشغال إعادة تأهيل مسجد آث ولبان ببلدية صحاريج، الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى الحقبة العثمانية.
وفي نفس السياق، أعدّت مديرية الثقافة والفنون خمسة ملفات خاصة بتصنيف معالم ومواقع أثرية وطنيًا، من بينها: المسجد العتيق آث براهيم، سور وأبواب مدينة سور الغزلان، الأنصاب الأثرية الرومانية بسور الغزلان، موقع أولاد سلامة ببلدية الحاكمية، وبرج حمزة ببلدية البويرة.
كما تم إدراج 11 معلما وموقعا أثريا ضمن قائمة الجرد الإضافي، في خطوة تعكس وعيًا متزايدًا بأهمية الحماية القانونية للتراث الثقافي.
الكتاب والمقروئية… من الترميم إلى توسيع دائرة القراءة
كانت سنة 2025 مميّزة بامتياز في مجال المقروئية، حيث تم إعادة تأهيل وتهيئة ست مكتبات للمطالعة العمومية عبر بلديات برج أخريص، سور الغزلان، ديرة، أغبالو، الجباحية وعين بسام، مع معالجة مختلف الإشكالات التقنية المرتبطة بالكهرباء، الأنترنت والتدفئة.
ودعما للموارد البشرية، تم توظيف 126 مؤطرا وعاملا بهذه المرافق الثقافية، ما انعكس إيجابًا على نوعية الخدمات المقدمة، وساهم في ارتفاع عدد المنخرطين بالمكتبات العمومية.
وفي سياق تعزيز القراءة العمومية، أطلق القطاع حملتين لتوزيع أكثر من 7500 كتاب لفائدة الجمعيات، الفاعلين الثقافيين، والقطاعات الشريكة، إلى جانب تشجيع المبادرات الرامية إلى فتح منتديات الكتاب والمقاهي الأدبية بالدوائر الكبرى للولاية.
الهياكل الثقافية… إعادة الاعتبار لفضاءات الإبداع
عرفت البنية التحتية الثقافية بدورها ديناميكية معتبرة خلال سنة 2025، من أبرزها الانطلاق في أشغال إعادة تأهيل دار الثقافة علي زعموم وسط مدينة البويرة، حيث بلغت نسبة الإنجاز 60 بالمائة، وهو الصرح الذي تنتظر الأسرة الثقافية والفنية عودته بحلّة جديدة تليق بدوره التاريخي في احتضان الإبداع والتكوين.
كما تم تجهيز قاعة السينما صالح بوكريف ببلدية مشدالة بتجهيزات سينمائية رقمية حديثة، مع تنسيق جارٍ مع المركز الجزائري لتطوير السينما لاستغلالها، ما سيسمح بتنظيم وعرض تظاهرات سينمائية نوعية خلال الفترة المقبلة.
الفنان في صلب الاهتمام… اعتراف رسمي ومرافقة مستمرة
ضمن سياسة التكفل بالأسرة الفنية، قامت مديرية الثقافة والفنون خلال سنة 2025 بـ تسليم 32 بطاقة فنان، في إطار مسعى متواصل لتمكين جميع الفنانين المستوفين للشروط من حقوقهم المهنية، وترسيخ الاعتراف القانوني بدورهم في المشهد الثقافي.
2025 .. سنة التظاهرات الكبرى والشراكات الثقافية الفاعلة
تميّزت سنة 2025 بثراء لافت في التظاهرات الثقافية والفنية ذات البعد المحلي والوطني، بالشراكة مع جمعيات ثقافية نشيطة صنعت الفارق في المشهد الثقافي، على غرار جمعية نشاطات السلام الثقافية بالأخضرية، التي برزت من خلال مبادرات تاريخية نوعية، أبرزها التوأمة التاريخية حول محرر بيان أول نوفمبر، والملتقى الوطني التاريخي «على خطى البيان»، الذي أعاد تسليط الضوء على حكاية بيان أول نوفمبر من قلب إيغيل إيمولا.
كما عاشت الأخضرية احتفالية مميزة ضمن برنامج عيد الاستقلال من خلال تظاهرة «فن يجسّد… ذاكرة تُخلّد»، التي جمعت بين الأنشودة الوطنية، الفن التشكيلي والشعر، بحضور أسماء ثقافية بارزة، واختُتمت بتكريم رموز المنطقة.
وسجلت الساحة الثقافية كذلك حضورًا مميزا للجمعيات المستفيدة من دعم وزارة الثقافة، على غرار جمعية وصال للفن الأندلسي، إلى جانب جمعيات أوزيا، التاريخ والآثار، والعمراوية للفن الأندلسي، التي نشطت فعاليات تاريخية وتراثية راقية.
أما على ركح المسرح، فقد أكدت جمعيات مثل أولاد البلاد وجسور للمسرح والسينما وفنون العرض احترافيتها من خلال مشاركات وطنية ودولية مشرّفة في دول عربية كالأردن، لبنان وتونس.
الطفل في قلب الفعل الثقافي.. تنشئة على الفن والهوية
أولى قطاع الثقافة والفنون بولاية البويرة خلال سنة 2025 اهتمامًا خاصًا بالطفل، باعتباره رهان الحاضر وصانع ثقافة المستقبل، حيث احتضنت المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية المجاهد سعيداني رابح ودار الثقافة علي زعموم الطفل عبر مختلف الورشات الإبداعية والتكوينية على مدار السنة.
وقد شارك الأطفال في ورشات متنوعة شملت المطالعة، الرسم، المسرح، الموسيقى، التعبير الفني والحكي، تحت تأطير أساتذة وفنانين مختصين، ما مكّنهم من اكتشاف مواهبهم وتنميتها في فضاءات ثقافية آمنة ومحفّزة.
كما احتفى الطفل، من خلال هذه البرامج، بعديد الأيام الوطنية والعالمية، وأسهم بفعالية في رسم مشهد ثقافي وفني يعكس براءته وإبداعه، مؤكدا أن الاستثمار في الطفل ثقافيا هو استثمار في الهوية والوعي والجمال، وضمان لاستمرارية الفعل الثقافي الأصيل.
آفاق 2026… مشاريع استراتيجية ورؤية مستقبلية
يدخل قطاع الثقافة والفنون بولاية البويرة سنة 2026 بأفق واعد، من خلال جملة من المشاريع المنتظرة، أبرزها: فتح واستغلال المدرسة الجهوية للفنون الجميلة، استغلال المسرح الجهوي عمار العسكري، إنشاء وإلحاق 7 قاعات للمطالعة بالمكتبة الرئيسية، فتح فرع للديوان الوطني لحماية الممتلكات الثقافية بسور الغزلان، استلام أشغال إعادة تأهيل دار الثقافة علي زعموم وتجهيزها وكذا استكمال ترميم المسجد العتيق بسور الغزلان ومسجد آث ولبان، بالإضافة إلى فتح واستغلال قاعة المطالعة العمومية بالقلتة الزرقاء بدائرة سور الغزلان.
الرهان الثقافي بالبويرة… من مسار الإنجاز إلى أفق التأثير
في حديثنا مع مدير الثقافة والفنون لولاية البويرة، إبراهيم بن عبد الرحمن، أكد أن ما تحقق خلال سنة 2025 "ليس مجرد أرقام أو مشاريع منجزة، بل مسار عمل مؤسسي أعاد تنظيم القطاع وضبط أولوياته وفق رؤية تقوم على الاستدامة، القرب من المواطن، وتثبيت الثقافة كخدمة عمومية أساسية".
وأوضح أن الجهود المبذولة ركزت على "إعادة الاعتبار للهياكل الثقافية، توسيع فعل القراءة، حماية الذاكرة والتراث، وفتح المجال أمام الفعل الجمعوي الجاد، مع الاستثمار في الطفل والفنان كركيزتين لمشهد ثقافي متوازن".
وأضاف أن سنة 2026 ستكون "سنة الانتقال من الإنجاز إلى التثبيت والتأثير، عبر استكمال المشاريع الكبرى، وتفعيل الفضاءات الثقافية المنتظرة، بما يضمن حضورًا ثقافيًا دائمًا، منظمًا، وفاعلًا محليًا ووطنيًا".
2026.. ثقافة تُجدّد الأمل وتحفظ الوفاء
تُسدل سنة 2025 ستارها، تاركة خلفها حصيلة تُكتب بلغة الإنجاز والعمل الميداني، وتفتح أبواب سنة 2026 على أمل متجدد في مشهد ثقافي أكثر إشراقا، عنوانه الاستمرارية، الشراكة، والرهان على الإنسان.
وفي خضم هذا التفاؤل، تقف الأسرة الثقافية بولاية البويرة وقفة وفاء وترحّم على كل الوجوه الثقافية والفنية التي فقدتها خلال السنة المنقضية، أولئك الذين رحلوا وبقي أثرهم شاهدًا على إخلاصهم للثقافة، الفن، والذاكرة، رحمهم الله جميعًا، وجعل أعمالهم نبراسًا يُضيء درب ثقافة جزائرية أصيلة، متجددة، ومتفائلة بالغد.

